المامقاني

195

غاية الآمال ( ط . ق )

من انّ تمليك الأعيان بالعوض هو البيع لا غير ثانيها ما عن بعض الأساطين ( قدس سره ) في شرح عد من أن البيع هو الأصل في تمليك الأعيان قال بعض من تأخر لعلّ مراده بكونه الأصل هو انّه نظير الوجوب فكما ان له أنواعا من العيني والكفائي والتعييني والتخييري وغير ذلك لكن العيني لا يحتاج في الانفهام من لفظ الوجوب إلى التّقييد بخلاف الكفائي فإنّه يحتاج إلى التّقييد بأنّه يسقط بفعل الغير أيضا و ( كذلك ) التعيّني في مقابل التّخييري فإن الأوّل لا يحتاج إلى عطف شيء على المأمور به بخلاف الثاني فإنه محتاج إلى التقييد في الكلام بالعطف فينصرف إلى الأوّل من باب عدم ذكر القيد فكذا في المقام فان انفهام البيع من تمليك العين لا يحتاج إلى التقييد بخلاف غيره فإنه محتاج في الانفهام إلى التقييد بقولنا على وجه الهبة أو الصّلح أو غيرهما هذا ولي فيه نظر لانّه لا ينطبق على ما عليه الوجوب من الحال فان انفهام الوجوب التّعييني من صيغة افعل انّما يتحقق بان يقول افعل هذا ولا يقيّده بعطف شيء عليه بان يقول افعل هذا أو غيره ومثل هذا لا يجري في ملكتك العين لأنّه ان لم يقيد بالعوض كان ظاهرا في الهبة أو العطية مثلا فإذا قال بكذا صار بيعا ويحتمل أن يكون المراد ان البيع أكمل أفراد تمليك العين وأظهرها لكثرة وقوعه في الخارج ثالثها ما احتمله بعض المعاصرين بعد الإشارة إلى الوجهين السّابقين من تنزيله على الصّلح أو الهبة المعوّضة أو انّه معاملة مستقلة لكنه قال بعد ذلك الا ان الجميع يعنى جميع ما ذكر حتّى الوجهين السّابقين محل منع كدعوى الإجماع أو السّيرة المعتبرة على شرعيّة الأخير سيّما مع ظهور كلامهم في حصر أسباب النّقل في الأمور المعهودة عندهم كما اعترف به بعضهم انتهى أقول الأولى الاستناد في المنع إلى أصالة عدم السّببيّة شرعا والا فحصر أسباب النّقل في الأمور المعهودة وان وقع في كلام جماعة الا ان ذلك لم يبلغ حد الإجماع ولم نقف له على مستند ولا حجّة في قول الفقهاء إذا لم يحصل به الاستكشاف عن قول الحجة ( عليه السلام ) بل يمكن الحكم بالصحّة بدعوى دخول مثل ذلك تحت إطلاق التّجارة عن تراض الا ان ( يقال ) انها إشارة إلى الأمور المعهودة بمعنى ان الآية واردة في مقام الإهمال وإفادة مشروعية هذا الجنس الَّذي هو التّجارة عن تراض والتفصيل موكول إلى الخارج والى ما أفادته الأدلة الشرعية في مقام التّفصيل فليس حالها الَّا حال ما نجده في العرفيات من أمر المريض بشرب الدّواء الموكول تفصيله إلى ما سيفصله بعد ذلك وما نجده في الشّرعيات من قوله ( تعالى ) : « أَقِيمُوا الصَّلاةَ » وقوله ( تعالى ) : « أَحَلَّ الله الْبَيْعَ » فلا مجال للتمسّك بإطلاقها لكن ذلك ممّا يمكن منعه بان ( يقال ) ان سياق الآية حيث نهى فيها عن أكل المال بالباطل واستثنى منه التّجارة دليل على ورودها في مقام البيان وإعطاء القاعدة غاية ما في الباب انه خرج ما خرج من مثل بيع الغرر وبقي الباقي فليس حالها حال قوله ( تعالى ) : « أَحَلَّ الله الْبَيْعَ » ونحوه كما لا يخفى على من له خبرة بأساليب الكلام فتدبر تنبيه لا يخفى على من له ملكة الإحاطة بمجامع الكلام انه قد علم ممّا حكيناه عن ( المصنف ) ( قدس سره ) من أن تمليك العين بعوض عين البيع وجه عدم جعله قصد مطلق تمليك العين من جملة الأقسام بان يجعله قسما ويجعل في مقابله قسما أخر وهو ما قصد به خصوص البيع لأنه إذا كان عين البيع فلا وجه لجعلهما قسمين ويشهد بما ذكرنا ما أفاده في أوّل المعاطاة حيث قال وربما يذكر هنا وجهان أخران أحدهما ان يقع النّقل من غير قصد البيع إلى أن قال والثاني ان يقصد الملك دون خصوص البيع ويرد الأول إلى أن قال والثاني بما تقدّم في تعريف البيع من انّ التّمليك بالعوض على وجه المبادلة مفهوم البيع لا غير انتهى وامّا القسم الثاني المقصود به البيع وهو الَّذي يتصوّر فيه الإيجاب والقبول بإعطاء مال وأخذه بأن يكون دفعه إيجاب البيع وأخذه قبوله حتّى يكون دفع العين الثانية خارجا عن حقيقة المعاطاة بالمرّة من جهة قصد الدّافع بدفعه البيع وقصد الأخذ بأخذه الاشتراء فقد عرفت في كلام ( المصنف ) ( قدس سره ) في الأمر الثّاني انّه بدّل على صحّته على القول بكون المعاطاة بيعا مملكا كلّ ما دلّ على صحّة المعاطاة من الطَّرفين وامّا القسم الثّاني المقصود به مجرّد المقابلة بين المالين فيشتمل على جهتين إحديهما كون المراد به مطلق التّمليك والأخرى كون الإيجاب والقبول قد حصلا بإعطاء مال وأخذه ويعلم الحكم فيهما ممّا ذكر في القسم الثاني المقصود به البيع والقسم الأوّل المقصود به مجرّد المقابلة بين المالين فافهم قوله ( قدس سره ) فيكون الأخر في أخذه قابلا ومملكا بإزاء ما يدفعه الظرف الأخير متعلَّق بقوله قابلا لا بقوله مملكا فتدبّر قوله ( قدس سره ) وربما يستعمل في المعاملة الحاصلة بالفعل لو لم يكن عطاء وفي صحّته تأمّل أشار بهذا الكلام إلى صورة إيصال الثّمن وأخذ المثمن من دون صدق إعطاء كما في أخذ ماء السّقاء ووضع الفلس في المكان المعدلة ونظائره ممّا تقدّم من الأمثلة وقد نسب ( قدس سره ) في الأمر الثاني انعقاد المعاطاة به إلى دعوى بعضهم قوله ( رحمه الله ) وهذا بعيد عن معنى البيع وقريب إلى الهبة المعوّضة لكون كلّ من المالين خاليا عن العوض لكن اجراء حكم الهبة المعوّضة عليه مشكل إذ لو لم يملكه الثاني هنا لم يتحقق التّمليك من الأوّل لأنه إنّما ملكه بإزاء تمليكه فما لم يتحقق تمليك الثاني لم يتحقق تملكه الا أن يكون تمليك الأخر ملحوظا له على نحو الداعي لا العوض فلا يقدح تخلَّفه هذا الكلام يتضمن أمور أحدها انّ هذا بعيد عن البيع ووجهه ان المقابلة في البيع انّما هي بين المالين وهنا بين الفعلين أعني التّمليكين وثانيها انه قريب من الهبة المعوّضة ووجهه ما ذكره سابقا من أن الهبة المعوضة ما اشترط فيها العوض فليست إنشاء تمليك بعوض على جهة المقابلة بين المالين والعوض المشترط انّما هو تمليك الأخر لا المال ثالثها انه ليس من قبيل الهبة المعوّضة ووجهه ان المقابلة فيها ليست بين المالين فالأوّل انّما وهب ما له بشرط ان يهب الأخر أيضا ماله للأوّل لا انّه قابل التّمليك بالتّمليك وجعل كلَّا من الفعلين عوضا عن الأخر ولهذا ذكر ( قدس سره ) سابقا ان ظاهرهم عدم تملك العوض بمجرّد تملك الموهوب بالهبة بل غاية الأمر ان المتهب لو لم يؤدّ العوض كان للواهب الرّجوع في هبته بخلاف ما نحن فيه فانّ المقابلة انّما هي بين التّمليكين وكلّ من الفعلين عوض عن الأخر ولهذا قال هنا الا أن يكون تمليك الأخر ملحوظا له على نحو الدّاعي فإنّه ( حينئذ ) يصير ما نحن